بين سماحة الدين وغلو التكفيريين

تميز ديننا بالسماحة واليسر ورفع الحرج عن اتباعه ، الا ان اقواما خالفوا مقصد الشارع الكريم وخرجوا عن سمة امة الوسط والاعتدال وتنكبوا الطريق السوي وانحرفوا عن المنهج الصحيح ونزعوا الى الغلو والتشدد فاستهانوا بحرمة دماء المسلمين وقتلوا الانفس المعصومة ، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا .
وقد ذمت الشريعة التطرف والغلو في الدين ، قال تعالى :{ قل يااهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق }.سورة المائدة :77 .
يقوا ابن كثير ـرحمه الله تعالى ـ :” ينهى تعالى اهل الكتاب عن الغلو والاطراء ” . تفسير ابن كثير :1/589 وقال صلى الله عليه وسلم : ( هلك المتنطعون ) . قالها ثلاثا .شرح الامام النووي على صحيح مسلم : 16/220 .
قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ :” اي المتعمقون الغاون المتجاوزون الحدود في اقوالهم وافعالهم” اعلام الموقعين :4/150 .
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ :”اياكم والبدع واياكم والتنطع واياكم والتعمق وعليكم بالدين العتيق ” اعانة الطالبين : 1/131 .
وقال عليه الصلاة والسلام 🙁 اياكم والغلو فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ).رواه الامام احمد 1/215 ـ247 .
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ :”ماامر الله تعالى بامر الا وللشيطان فيه نزعتان ، اما الى تفريط واضاعة وما الى افراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه فكما ان الجافي عن الامر مضيع له فالغالي فيه مضيع له ،هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوز الحد .مدارج السالكين :2/ 496
ففي هذه النصوص من النهي الصريح عن الغلو واتباع سبيل اهله مايكفي المسلم من الابتعاد عنه والتذير من اهله .
ومن اهم اسباب التطرف الديني هو سوء الفهم في الدين والتعصب للرأي وعدم الاعهتراف بالرأي الاخر وخاصة في الامور الاجتهادية والوقلئع والاحداث التاريخية فبسبب سوء الفهم والتعصب للرأي يجعل المتطرف الامور الاجتهادية والوقائع التاريخية امورا مقطوعة ليس فيها الا قولا واحدا هو قوله ورايه.
فيرمي الناس بالكفر ويلعنهم وينزل عليهم الاحكام متناسيا قول النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد عن ابي هريرة ـرضي الله عنه ـ 🙁 اذا قال الرجل لأخيه ياكافر فقد باء بها احدهما ) رواه الامام مالك :التمهيد لابن عبد البر 17/13
وسنأتي الى شرح هذا الحديث لاحقا ان شاء الله تعالى .
فهذه النصوص وغيرها صريحة في التحذير تكفير المسلمين واستباحة دمائهم واموالهم واعراضهم بأسم الدين وبشبهة التكفير .
ومما يلاحظ ان الخوارج هم اول من اظهر التكفير في الامة ،فكفروا المسلم بالذنوب واستحلوا دمه وماله . قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ “ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا فأنها اول بدعة ظهرت في الاسلام فكفر اهلها المسلمين واتحلوا دمائهم واموالهم “. مجموع الفتاوى لابن تيمية : 91/ 13 .
واستدل الخوارج وغيرهم كخوارج عصرنا اليوم بتكفير المسلمين مستلين بقوله تعالى : {ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الكافرون } . سورة المائدة : 44 .
فكفروا كل الحكام ومن رضي بحكمهم وجعلهم اولياء امر له بزعمهم مخافة الكتاب والسنة استنادا لهذه الاية في حين ان تفسير هذه الاية معروف وقال فيه الكثير من المفسرين ومنهم ترجمان القران الكريم ابن عباس رضي الله عنهما كما ورد في تفسير ابن كثير حيث قال : قال عبد الرزاق اخبرنا معمر عن ابن طاووس عن ابيه قال سأل ابن عباس عن قوله 🙁 ومن لم يحكم) الاية قال هي به كفر قال ابن طاووس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .وقال ايضا ليس بالكفر الذي يذهبون اليه .رواه الحاكم في مستدركه : 2/ 313 . وقال الثوري هو كفر دون كفر .
اضافة الى اختلاف العلماء في تفسير هذه الاية وسبب نزولها هل هي في المسلمين ام في الكفار. ينظر اضواء البيان في ايضاح القران بالقران للشنقيطي 1/406 زتفسير القرطبي 5/44،45،46 .
يقول المام الطحاوي ـرحمه الله ـ ( ولانكفر احدا من اهل القبلة بذنب مالم يستحله ولانقول لايضر مع الامام ذنب لمن عمله) .شرح العقيدة الطحاوية 55 .
ونأتي الان لشرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام والذي ينهى فيه المصطفى عن ان ينعت المسلم اخاه في الدين بالكفر .
الحديث رواه جماعة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبدالله بن عمر ان رسول الله عليه الصلاة والسلام قال 🙁 ايما رجل قال لاخيه كافر باء بها احدهما ) التمهيد لما في الموطأ والاسانيد 13/17.
وقد أول العلماء قوله عله الصلاة والسلام (فقد باءبها احدهما ) عدة تأويلات سأذكر الراجح منها وهو قول ابن عبد البر المالكي في الاستذكار قال ابو عمر: باء بها اي احتمل وزرها . ومعناه اذا قيل له ياكافر فهو حامل وزر كفره الا انه لايكفر لان الكفر يكون بترك مايكون به الايمان .
وقيل معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل اخاه المؤمن كافرا فكأنه كفر نفسه اما لانه كفر من هو مثله او لانه كفر من لايكفره الا كافر يعتقد بطلان الاسلام .
وقال النووي في شرح صحيح مسلم قيل معناه ان ذلك يؤول به الى الكفر يعني انه يخاف على المكثر على ذلك ان يكون عاقبة شؤمها الكفر والمصير اليه .
لذى نرى ان التطرف ونعت الناس بالكفر والغلو في الدين خطر على كيان الامة الاسلامية فقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام اثارها بكلمة جامعة بليغة بقوله : (فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) .
فهو هلاك في كل شيء على مستوى الافراد والمجتمعات ونه هلاك للانفس والممتلكات والبلاد والعباد لذا يجب معالجة التطرف والغلو باساليب شتى والتي منها محاربة الجهل ونشر العلم والتفقه بالدين وخاصة فيما يتعلق بالولاء والبراء واطلاق الاحكام جزافا دون رجوع لدليل او عدم فهم النص الوارد فهما دقيقا ومعرفة حقوق ولي الامر المسلم والموقف من غير المسلمين او بعض المذاهب الاسلامية وغيرها من القضايا المعاصرة وان تتصدى مناهج التعليم في العالم الاسلامي امشكلة التطرف بشكل علمي لبيان سماحة الاسلام ويسره ووسطيته وحقوق ولاة الامر وحقوق المواطن وحرمة دماء المسلمين واعراضهم واموالهم .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله